عبد الرزاق اللاهيجي
161
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
على ما يتبادر من المثال بل المراد ان الصادر من الجاعل انما هو امر واحد يحلله العقل إلى امرين ويجعل أحدهما متصفا بالآخر فهذا هو معنى جعل الماهية متصفة بالوجود كما مر غير مرّة ثم أقول لكن هذا الكلام أيضا يرفع النزاع فلم يحصل معنى يصلح للخلاف بل الصواب كما أشرنا إليه ان يجعل النزاع في الجعل المركب للماهية مع قطع النظر عن الوجود فان الاحتياج إلى الجاعل في الوجود موضع الوفاق كما عرفت والجعل البسيط للماهيّة دقيق لا يفهمه الأكثرون فمن لم يذهب إلى ثبوت الماهية في العدم من المتكلمين وراءها محتاجة إلى الجاعل ولم يفهم الجعل البسيط ذهب إلى الجعل المركب ومن ذهب منهم إلى ذلك كالمعتزلة لم ير لها حاجة إلى الجاعل في غير الوجود فنفى الجعل الّذي يدعيه المثبتون لعدم الحاجة إليه والفلاسفة نفوه لكونه غير معقول والمفصل لما توهم استدعاء الجعل تركيبا ولم يمكنه توهّم التركيب في البسيط نفى الجعل فيه واما في المركب فيمكن ذهاب الوهم إلى كون المركب غير الاجزاء فلذلك أثبت الجعل فيه هذا تحرير محل النزاع وتحصيل موضع الخلاف واما تعيين ما هو الحق من هذه المذاهب فظاهر مما ذكر إذا عرفت ذلك فمعنى كلام المصنف ان تأثير الفاعل لما كان في نفس الماهية لا في جعل الماهية ماهية ولا في جعل الوجود وجودا كما مر في المتن في مبحث حاجة الممكن إلى المؤثر والمركب والبسيط سواء في الحاجة إلى الجاعل لكونهما ممكنين فالماهيات الممكنة سواء كانت مركبة أو بسيطة محتاجة إليه على السواء ومجعولة بالجعل البسيط بالمعنى الّذي عرفت فهذا الكلام ليس اختيار الشيء من هذه المذاهب الثلاثة صريحا واختيار لمذهب الفلاسفة بالإشارة إلى ما هو المراد والمعقول من الجعل كما لا يخفى وهما اى البسيط والمركب قد يقومان بأنفسهما بمعنى سلب القيام بالغير بان يكونا من المهيات الجوهرية مثال المركب الجسم ومثال البسيط العقل عند من لم يقل بجنسيته الجوهر وقد يفتقران إلى المحل ويقومان به وذلك إذا كانا من المهيات العرضية مثال المركب السواد ومثال البسيط النقطة على قول المسألة الخامسة في احكام اجزاء الماهية المركبة فمنها ان اجزاء الماهية متقدمة عليها في الوجود الخارجي والذهني وكذا في العدم الخارجي والذهني وإليه أشار بقوله والمركب مركب عما يتقدمه وجودا وعدما بالقياس إلى الذهن والخارج لكن بين التقدمين فرق من وجهين أحدهما ان التقدم بحسب الوجود متحقق بالنسبة إلى كل جزء واما التقدم بحسب العدم فإنما هو بالنسبة إلى جزء ما وثانيهما ان التقدم بحسب الوجود تقدم بالطبع فان وجود المركب يتوقف على وجود كل جزء من اجزائه والتقدم بحسب العدم تقدم بالعلية بشرط السبق بمعنى ان عدم اىّ جزء سبق لا يحتاج انعدام المركب إلى عدم جزء آخر وان احتاج عدم ذلك الجزء في كونه علة تامة لعدم المركب إلى سبقه على اعدام ساير الاجزاء فالسابق لو كان عدم جزء واحد كان هو العلة ولو كان عدمي جزءين معا لم يكن شيء منهما علة تامة لعدم السبق بل كلاهما معا علة تامة فلا يلزم اجتماع العلل المستقلة على المعلول الشخصي الّذي هو عدم المركب المشخص على تقدير تسليم كون عدم الامر الشخصي شخصيّا وكذا الكلام في اعدام ساير العلل الناقصة فان كلا منها علة تامة لعدم المعلول فعلى هذا لو عدم الفاعل مثلا مع عدم جزء من المركب في زمان فإن لم يكن لعدم الفاعل